|
سجن العطار ( قصة قصيرة )
كتبها :- محمد شوكت الملط
Msh_malt2011@yahoo.com
_______________________________________
دمعت عيونهم وأصابتهم الدهشة ، عند رؤيتهم المأساة ، أربع سيارات مصفحة تقل خمسين جندياً وخمسة ضباط من قوات الأمن ، توقفت أمام العمارة بعد منتصف ليلة حزينة ، يصعد الجنود السلم مددجين بأسلحتهم ، خطواتهم تزلزل العمارة والعمارات المجاورة فى الحى ، حركتهم الهمجية أيقظت السكان ، أقلقت مضاجعهم ، وفيهم المرضى وكبار السن والعجزة ، أرعبت الأطفال ، أخافت النساء ، اقتحموا الشقة التى تسكنها إمرأة ترعى أربعة من اليتامى ..كبيرهم طالب فى السنة النهائية لإحدى الكليات الجامعية ، وهو المطلوب القبض عليه ، والإتيان به حياً أو ميتاً ، دون أن يعطوا الفرصة لمن فى الداخل أن يفتح ، كسروا باب الشقة ، دخلوا البيت عنوة دون مراعاة لحُرمة أو احترام لآدمية .. بعد أكثر من ساعة ، أجهزوا على كثير مما تحتويه الشقة ، تكسير ، تحطيم ، اتلاف ، مع السب والشتم والصوت الجهورى يسمعه القاصى والدانى مصحوباً بأصوات صراخ متقطع لصبية صغار ، خرج الجنود منتشين مسرورين لأنهم انتصروا وبصحبتهم الشاب مكبلاً بالقيود ، تهمته العظمى أنه يسير فى طريق الدعوة ، يعلم أطفال الحى قراءة القرآن الكريم والأحاديث النبوية ، قصص الأبطال ، طاعة الوالدين ، حب الوطن ، العزة ، الكرامة ..
_______________________________________
أصيب الجيران بالصدمة ، منهم من أُغمى عليه من هول الموقف ، ومنهم من سأل الله أن ينتقم من هؤلاء الجنود ، ومنهم من وجه السباب والشتائم ، وكثير من النساء والصبية والشباب هتفوا ضدهم ، ذهب النوم عنهم تلك الليلة حتى أُذن للفجر ، عند سماع الآذان هُرع الناس إلى المسجد الذى اكتظ بالمصلين ، وكان القنوت ، الشاب الذى يحبه سكان الحى كان موعد امتحانه فى اليوم التالى، أرسل السكان العديد من البرقيات للمسئولين لإستعطافهم ليطلقوا سراحه ليؤدى الإمتحان ، إلا أن الرفض كان هو الرد عليهم ، دخل الشاب السجن ومعه العديد من الرجال الأتقياء ، هدفهم الذى يعملون من أجله هو إصلاح الأمة وإزالة الغمة ..
_______________________________________
فى زنزانته رافقه رجل فى الأربعينيات ، قالوا عنه أنه تاجر صدوق ، فتح الله عليه بالرزق الحلال ، فأصبح من أشهر تجار العطارة فى البلاد ، امتلك المال الكثير ، فوضعه الله فى يده ولم يجعله فى قلبه ، اقترب العطار من الشاب ، عامله كابن له ، جعله الله سبباً فى ثبات الشاب وصبره ، ونزول السكينة على قلبه ، حدثه عن حياته ، خبراته ، تجاربه ، تجارته ....، أصبحا صديقين وكأنهما قد تعارفا منذ أمد بعيد ، خصص الرجل جزء من الوقت ليُفضى للشاب بأسرار تجارة العطارة ، وعن دور عنصرى التجارة - الأمانةوالمهارة - فى الربح الوفير ، فى الدنيا ولآخرة ، وعده بأنه سيكون عوناله ، وسوف يمكنه من فتح محل للعطارة بمدينته ، يكون ملكاً خاصاً به ، وسيمده بالبضاعة شريطة أن يلتزم بمبادىء التجارة بعيداً عن العشم أو الغشم ..
خرج العطار والشاب من السجن ، بعد أن أمضايا فيه عدة أشهر ، ومضت الأيام بحلوها ومرها ، كان الشاب قد تحصل على مؤهله الدراسى بتقدير جيد، وفى أمسية جميلة وقف الشاب أمام دكانه الذى أصبح أكبر دكاكين العطارة فى المدينة ، وقف وبجواره العطار الكبير رفيق السجن فى الماضى ، وهمايستقبلان المهنئين بمناسبة مرور ثلاث سنوات على إنشاء الدكان.
_______________________________________
|