|
رسائل أطفالنا المصورة
بقلم :- معتز شاهين – مصر
للمشاعر والانفعالات لدى الإنسان طرق كثيرة للتعبير عنها ، وتختلف تلك الطرق باختلاف الأفراد وطباعهم ومدى نضجهم العقلي والاجتماعي والنفسي ، فطرق الراشد للتعبير تختلف عن طرق الطفل .
فالاطفال لا تؤهلهم قدراتهم العقلية أو اللغوية عن التعبير الدقيق عما يشعرون أو يمرون به من مشاعر ، وحتى لو امتلك الطفل بعض من أدوات اللغة السليمة ، لا يستطيع البوح بما يدور في رأسه نظرا للقيود الاجتماعية المفروضة عليه من قبل الكبار. لذا تلعب رسامات الطفل دور كبير في التعبير عن نفسه ، والتوضيح لنا نحن الراشدون عما يعانيه أو يفكر فيه .
_______________________________
والطفل عندما يأخذ ورقة ليخط عليها تلك الخطوط البسيطة ؛ يحاول إرسال رسائل لنا عن طريق تلك الخطوط والاشكال ، فالرسم عند الأطفال عالم وفن قائم بذاته ، تستمد خطوطه وأشكاله من عالم الطفل نفسه ، وتمتزج ألوانه بأحاسيس الطفل وانفعالاته ، لتعبر في صورة صافية عن مشاعره وحاجاته.
فالكثير من الأطفال الرسم بالنسبة لهم هو " صوتهم " او " لغتهم " ، والأم أو الأب اللذان يحرمان الطفل من ممارسة الرسم ، كأنما يمنعاه من التواصل مع نفسه والمجتمع ، وبهذا يتحول الطفل إلى طفل " أبكم عاطفيا " ، لا يملك ذكاء عاطفي يمكنه من التعبير عن نفسه ، لأن الوالدين والمجتمع الذي يعيش فيه قد قتل لغة التواصل التي يجيدها عن غيرها.
ونجد الوالدين لا يلقون بالاً لتلك الرسامات ويعتبرونها مجرد ( شخبطة ) لا تستحق الاهتمام ، وهنا ننبه إلى أنه يجب على الوالدين ألا ينظر إلى رسامات الطفل بشكل مطلق أو يقارنها برسامات البالغين أو درجة قربها من الواقع ، وإنما بتميزها عن رسامات أقرانه في نفس العمر ، أي أن تتوافر في تلك الرسوم عاملين وهما ( الجدة / و التميز ).
_______________________________
تطور رسومات الأطفال :- تعتبر الألوان أهم ميراث حسي ومعنوي يرسخ في نفس الإنسان ، تبدأ دلالات الألوان لدى الطفل من الشهر الثاني من عمره كمؤثرات بصرية ، فنجد الطفل تلفت نظره الألوان الصارخة ( كالأحمر ، والأصفر ) ولكنه لايستطيع التمييز بينهما ، ثم يبدأ قبل سن الرابعة بحفظ الألوان والتمييز بينها.
أما بالنسبة للأشكال ، فالطفل قبل نهاية عامه الأول نجده يتناول الورقة ليحرك القلم عليها بصورة عشوائية تشد انتباهه ، وحينما يبلغ الثالثة يستطيع الطفل أن يدرك أنه يمكن للمعلومات والمواقف والمشاعر التي يختزنها في ذاكرته أن تخرج على الورقة ولكن كما يراها ويريدها هو ، حتى لو اختلفت عن الواقع.
ثم مع السادسة من عمره يبدأ الطفل في ملاحظة الاختلافات بين ما يرسمه والواقع ، ويأخذ تلك الاختلافات بعين الاعتبار ، أما في الثامنة وما بعد ذلك فإن رسوم الأطفال تتطور كثيرا ، ويظهر فيها اهتمامًا ووعيًا بالنسب الواقعية ، ويصبح الطفل أكثر موضوعية في تفكيره وبالتالي في رساماته.
_______________________________
لماذا الاهتمام برسامات أطفالنا ؟ :- ذكرنا أن الرسم بالنسبة للطفل لغة يعبر بها عما يحيط به ، ووسيلة للتنفيس عن انفعالاته .. وللرسامات الطفولية دلالات أخرى :-
للرسم عند الأطفال وظيفية إسقاطية :- فمن خلال الرسم يستطيع الطفل أن يتحرر من عبء الأزمات الداخلية التي يعيشها داخل نفسه ، ويسيطر على العالم الخارجي بموضوعاته التي تهدد أمنه ، فمن خلال رساماته يستطيع الطفل أن يسيطر على العالم ويحتل دورا نشطاً في الأحداث بدلاً من أن يكون مجرد كم مهمل ، ويتداخل الواقعي مع ما هو خيالي ، مما يعطيه نوع من التكيف .
الشخبطات التي ينتجها الطفل في سني عمره الأولي تكون طبقاً لمجرد الرغبة الحركية والعضلية بداخله :- والتي تبحث عن متنفس ، فالأطفال في سنواتهم الأولى يكونون مولعون بحركات أجسامهم وما ينجم عنها من أثار ؛ فنجده يشخبط على كل الجدران والأسطح التي يقابلها. فالرسم في حد ذاته مصدر للتنفيس عن تلك الرغبة في الحركة ، لذا يعد الرسم نشاط يمكن السيطرة على سلوك الطفل من خلاله.
كما ذكرنا من قبل فالرسم يتيح للطفل أن يقول " أنا هنا " ، " أنا موجود " :- مما يساعده أيضاً على تنمية مفهوم الذات لديه والشعور بالرضا عن نفسه ، وهي من الحاجات الأساسية التي يسعى لها الفرد بشكل عام في حياته .
يعد الرسم أحد أشكال المجال المعرفي ( العقلي ) :- التي تعكس تفاعل الفرد الإداركي مع نفسه والبيئة المحيطة به ، لذا اهتم علماء النفس برسامات الأطفال باعتبارها مقياس للذكاء ، ووضعوا اختبارات للرسم تقيس نسبة الذكاء لدى الأطفال ، لأن الرسم هو اللغة التي يجيدها الأطفال – كما ذكرنا – ، ورسامات الأطفال بقدر بساطتها وتلقائيتها في بعض الأحيان ، يجد فيها الباحث معين لا ينضب من الحقائق والدلالات التي تعينه على فهم سيكولوجية الطفل وذكائه ، ومشكلات توافقه واحتياجاته. ومنذ بداية العقد التاسع من القرن قبل الماضي بدأ الاهتمام البحثي برسامات الأطفال ، ورغم عدم دقة تلك الاختبارات إلا أنه يمكن استخدامها كمؤشر ابتدائي على مدى ذكاء الطفل ، أو للتعرف الأولي على سمات شخصيته الأساسية.
من خلال الرسم يمكن لنا فهم الأجزاء الغامضة والغير مفهومة في سلوك ومشاعر الأطفال :- فيمكننا ذلك من علاجهم نفسيًا من المشكلات التي تواجههم ويعجزون عن التعبير عنها بشكل طبيعي ، نتيجة لقيود اللغة والضغوط الاجتماعية من حولهم . فمثلا لو رسم الطفل صورة لشخص بالغ يضرب طفل ، وسألناه من هذا سيرد ( محمد ) ، ومن يضرب محمد ، سيقول ( بابا أو المعلم يضرب محمد ) ، فنتوصل إلى أنه يعاني نوع من الأذى البدني أو النفسي داخل أسرته أو مدرسته ، وكذلك الحال إذا رسم الطفل صورة لأسرته بها الأم أكبر حجمًا من الأب ، فذلك يعكس وجود سلطة كبيرة للأم داخل الأسرة. لذلك يوصى علماء النفس باستخدام العلاج عن طريق الرسم مع المتأخرين دراسيًا ، والذين يعانون من سوء التوافق الانفعالي أو الاجتماعي ، أو من لديهم مشكلات سلوكية.
_______________________________
دور المربي :-
- بداية يجب أن يحذر المربي من الوقوع في الخطيئة الكبرى ، وهي التسفيه والتحقير من تلك الشخبطات أو الخربشات الطفولية ، فلذلك وقع كبير على نفس الطفل ، وتكرارها تجعله يحجم عن إخراج ما في نفسه من مشاعر وانفعالات ، فينقطع خط الاتصال بين الطفل والمربي .
- قد تضيق الأمهات بتلك الرسامات التي تملأ جدران المنازل وأسطحه المختلفة ، ولكن يجب أن تضعي في ذهنك أن تلك الشخبطات تعد من أهم الوسائل لتنمية التفكير والإبداع لدى طفلك ، وهي حجر الزاوية في بناء شخصية الطفل بالإضافة إلى اللعب.
- دع الطفل يرسم ما يريد بدون تحديد للموضوعات والألوان ، بل أعطيه الحرية للاستمتاع بطفولته ، وشجعه على تنمية موهبته . وهنا نشير إلى عدم الاعتماد على كتب التلوين الجاهزة بصورة كبيرة ؛ حيث أنها تكون محددة الرسوم من قبل ، مما يمنع الطفل من استخدام مخيلته ويعيق تطور إبداعه.
- تنوع المثيرات في بيئة الطفل يساعده على إخراج كل ما في جعبته من إبداع ، فالدراسات الحديثة أثبتت أنه يمكن زيادة نسبة ذكاء الطفل في حالة توافر بيئة محفزة تساعد على ذلك ، لذا على المربي العمل على إثراء البيئة المحيطة بالطفل بمختلف أنواع الاستشارة الحسية والبصرية واللمسية.
- على المربي أن يدعم الطفل أثناء إنتاجه الفني بالخبرات اللفظية التي تساعده على الربط بين الشكل واللفظ ، مما يسهل عملية الحفظ والتخزين ، ويسهل أيضا عملية الاستدعاء وقت الحاجة لهذا المخزون ( التذكر ).
- توفير الخامات والمواد اللازمة للرسم والتي لا تعرض الطفل للخطر.
- محاولة تفهم عمل الطفل وما يحتويه من رموز وخيال.
- عرض جميع الرسوم التي ينتجها الطفل دون التقيد بالمستوى الفني
_______________________________
وليرفع المربي شعار " لنلعب معا " ، فيشترك مع الأطفال لا ليعلمهم المهارات وفقط ، بل وليشعرهم بمتعة المشاركة ، ويمنحهم المزيد من الثقة ، والكثير من الحب.
|